الباب السابع عشر: الشخصيات التاريخية المشهورة

السياسيون والمفكرون

مؤسس مدرسة الشرائعيين--هان في تسي

هان في تسي هو فيلسوف ومؤسس مجرسة الشرائعيين وكاتب نثر مشهور في عصر الممالك المتحاربة \ عام 475 íVعام 221 قبل الميلاد\. ومذهب الشرائعيين الذي أسسه أرسى أساسا نظريا لتأسس أول دولة موحدة استبدادية ومركزية السلطة في الصين.

عاش هان في تسي في القرن الثالث قبل الميلاد وهو من أسرة مملكة هان في أواخر عصر الممالك المتحاربة. وهو تأاء ولا يجيد التكلم ولكنه ماهر في تأليف الكتب.

و خلال فترة بقاء هان في تسي، بدأ نفوذ مملكة هان يضعف يوما بعد يوم. وانطلاقا من حبه للوطن، قدم مرات عديدة اقتراحات لملك مملكة هان حيث اقترح تغيير القوانين ودعا الحكام إلى جعل تحقيق ازدهار الوطن وتقوية الجيش مهمتهم الأولى، ولكن الملك لم يتبنى اقتراحه. لذلك، كتب هان في تسي بالاستفادة من خبرات ودراسات الإدارة في مختلف الدول في التاريخ والأوضاع الواقعية في المجتمع كتب أطروحات سياسية بلغ عدد مقاطعها أكثر من مائة ألف مقطع صيني وجمعها في كتاب بعنوان "هان في تسي". ورغم أن هذه الأطروحات لم تثر اهتماما داخل مملكة هان، ولكنها انتشرت في مملكة تشن القوية وحظي بمحبة الإمبراطور شي هوانغ دي. وشن الإمبراطور حربا ضد مملكة هان فأرسل ملك مملكة السيد هان في تسي إلى مملكة تشين لطلب السلام، ومنعه الإمبراطور شي هوانغ دي من العودة وأبدى استعداده لتعيينه في منصب هام، ولكن رئيس الوزراء في مملكة تشين لي سي وهو كان زميلا لهان في تسي وأدرك أن كفاءة هان في تسي أعلى منه، لذلك حرض عليه الإمبراطور شي هوانغ دي. وصدق الإمبراطور كلام لي سي الكاذب وألقى هان في تسي في السجن وقتله بالسم.

ويعتبر كتاب " هان في تسي" وهو من أهم أعماله كتابا يسجد أفكار الشرائعيين في عهد ما قبل أسرة تشن الملكية. وتحفظ 55 أطروحة من هذا الكتاب حتى الآن تبلغ مقاطعها نحو مائة ألف مقطع صيني ومعظم المقالات كتبها هان في تسي بنفسه. وفي تلك الفترة، كانت المدارس الفكرية في الصين تتمثل في المدرستين الكونفوشيوسية والموهية وتشجع على تقليد الملوك السابقين والعودة إلى القديم. ولكن مدرسة الشرائعيين التي تمسك بها هان في تسي، فعارضت بحزم العودة إلى القديم ودعت إلى اتخاذ اجراءات تتناسب مع الظروف الجديدة. وعارض هان في تسي المدرسة الكونفوشيوسية التي تدعو للحب والحنان ودعا إلى الاهتمام بالسيطرة على الدولة بالقوانين وطرح أربع سياسات أي المكافأة الكبيرة والعقاب الشديد والاهتمام بالزراعة والمعارك. كما اقترح هان في تسي تخويل سلطة الملك من خلال الآلهة. وتركت مدرسته تأثيرات كبيرة على تأسيس جميع السلطات الاقطاعية الاستبدادية الصينية بعد أسرة تشين الملكية.

ومقالات هان في تسي تحلل الأمور بدقة وكلماتها حادة ومضامينها واضحة. مثلا لخص مقال " مسيرة سقوط السلطة" 47 سببا يمكن أن تسقط الدولة،ولم يسبقه أحد على تناول مثل هذا الموضوع.

وتتصف مقالات هان في تسي بالترتيب الرائع والدقيق والوصف الشجاع والكلام الظريف ولها فعاليات فنية في تأثير على وعي الناس. كما كان هان في تسي ماهرا في استخدام القصص والحكايات البسيطة والمعارف التاريخية الوافرة لتوضيح المبادئ المعنوية وتجسيد أفكار الشرائعيين ومعرفتهم للمجتمع والحياة. وأصبح العديد من الحكايات التي ظهرت في مقالاته تستخدم حتى يومنا هذا.

تشوانغ تسي

يعتبر تشوانغ تسي ممثلا ثانيا بعد لاو تسي للمدرسة الطاوية خلال عصر الممالك المتحاربة

واسم تشوانغ تسي "تشو" وهو من مواطني مملكة سونغ في القرن الرابع قبل الميلاد. وكان قد تولى منصب مسؤول حكومي صغير في مملكة سونغ. ويحكى أن تشوانغ تسي كان يتمتع بالذكاء والرغبة في الدراسة منذ صغره. ومرت الأيام وسافر إلى مختلف الممالك جنوب الصين حيث زار المواقع الأثرية. وكان من مميزات تشوانغ تسي أنه صادق ومؤمن بالطبيعة وكاره لمراسم الأدب ومستهين بالنبلاء وأقرباء الملك. وكان ملك مملكة تشو قد قدم له هدايا وفيرة لتعيينه رئيسا للوزراء، ولكنه رفض. ومنذ ذلك الحين لم يشغل أي منصب حكومي وأصبح منفيا يتكسب عيشه من صناعة الأحذية. وفي الوقت نفسه، عمم مبادئ الحكايات وألف كتبا.

ويوجد حاليا 33 مقالا من كتاب " تشوانغ تسي" حيث تضم المقالات ثلاثة أجزاء. كتب تشوانغ تسي جميع مقالات الجزء الأول. أما مقالات الجزئين الثاني والثالث، فقد كتبها أتباعه ومن أتى بعده.

وقلد تشوانغ تسي أفكار لاو تسي والطاوية في مجال الفلسفة وشكل نظام أفكار فلسفية خاصا وأسلوبا أدبيا فريدا. حيث يرى أن الطاوية جسدت الوقائع الموضوعية واعتبر الطاوية مصدر كل الكائنات الكونية وظل يؤمن بمبدأ "دع الأمور تمضي على أعنتها". وفي المجال السياسي، دعا إلى معالجة الشؤون السياسية بتركها على طبيعتها، وفي مجال أسلوب الحياة للإنسان، دعا إلى العودة إلى. حيث وصف الدعوة إلى العدالة والفضيلة والصواب والخطأ بأنها عقوبات مفروضة على الإنسان واستنكر العدالة والفضيلة والإدارة القانونية التي تمسك بها الحكام حينذاك، كما انتقد بلهجة شديدة الآداب والمعايير القانونية والسلطة والنفوذ وطرح آراءه الرائعة بما فيها " لا يمكن إيقاف السرقات إلا بعد وفاة الحكماء" و"من سرق الصنارة يحكم عليه بالإعدام، ومن يسرق الدولة يصبح من الأمراء". أما في مجال أساليب تواجد الإنسان، فآمن تشوانغ تسي بالطبيعة ودعا إلى الوصول إلى منزلة فكرية تتمثل في "تتعايش السماء والأرض معي وأدمج نفسي في كل الكائنات والمخلوقات" وكان يرى أن أعلى منزلة في الحياة هي الحرية الروحية المطلقة بدلا من المتعة المادية أو السعي وراء السمعة الزائفة. وتركت أفكار ودعوات تشوانغ تسي هذه تأثيرات عميقة وبعيدة في الأجيال القادمة وهي تعتبر ثروة روحية ثمينة في التاريخ الفكري البشري.

وقد أثر كتاب "تشوانغ تسي" بدرجة كبيرة على فترة وي وجين التي استمرت من القرن الثالث إلى القرن الخامس ميلاديا. ويسمى هذا الكتاب مضافا إليه كتابا "تشو يي" ولاو تسي" ب"الشيوانشيوي الثلاثة" وهي التي لها مكانة هامة في تاريخ الأدب الصيني. وأصبح هذا الكتاب في أسرة تانغ الملكية \618-907\ بشكل رسمي أحد الكتب الكلاسيكية للطاويين.

ولم تجسد تأثيرات تشوانغ تسي على الأجيال القادمة في الأفكار الفلسفية فقط، بل جسدت في الأدب أيضا. ولم تكن دعواته السياسية وأفكاره الفلسفية مملة، بل عبرت عن معانيها من خلال القصص والحكايات الممتعة مما جعل هذا الكتاب يشبه مجموعة قصصية ذات تأثير فني كير.

منغ تسي

يعتبر منغ تسي مفكرا عظيما وأحد الممثلين الرئيسيين للكونفوشية في الصين خلال عصر الممالك المتحاربة

إسم منغ تسي "كه" وعاش في القرن الرابع قبل الميلاد وهو من مواطني مملكة تسو\ مدينة تسو بمقاطعة شانغدونغ \. وقيل أن منغ تسي يتحدد من أسرة النبيل منغ سون شي في مملكة لو. وفي تلك الفترة حدث جدل حاد بين المدارس المختلفة. وورث منغ تسي أفكار كونفوشيوس مؤسس الكونفوشية وطورها وطرح نظاما فكريا كاملا وأثر تأثيرا كبيرا على الأجيال القادمة، فيسمى بالحكيم الثاني بعد كونفوشيوس.

ورث منغ تسي أفكار كونفوشيوس المتمثلة في الحكم القائم على الأخلاق الفاضلة وطورها إلى نظرية سياسة البر التي أصبحت محور أفكاره السياسية. حيث أضفى مبدأي "الود" و"الدوام" إلى السياسة لتخفيف حدة التناقض الطبقي والحفاظ على المصالح الطويلة للطبقة الحاكمة الاقطاعية.

وحدد منغ تسي بصرامة طبقتين واحدة للحكام وأخرى المحكومين ووضع نظاما طبقيا كاملا من مستوى الامبراطور إلى أبناء الشعب العاديين. ومن جهة أخرى، وصف العلاقة بين الحكام والمحكومين بالعلاقة بين الوالدين وأبنائهما داعيا الحكام إلى الاهتمام بشقاء أبناء الشعب ومشجعا أبناء الشعب على الاقتراب من الحكام وتقديم خدمات لهم ومعاملتهم مثل الوالدين.

ووفقا لخبرات عصر الممالك المتحاربة، لخص منغ تسي قوانين نهوض وسقوط مختلف الدول وطرح موضوعا ذا جوهر ديمقراطي أي "الأهم هو الشعب والثاني هو المجتمع والأخير هو الإمبراطور"، حيث يرى أن كيفية معاملة الشعب تتحلى بمغزى هام جدا لنهوض وسقوط الدولة. وكان منغ تسي يولي اهتماما بالغا لإرادة الشعب حيث أكد مرارا وتكرارا عبر ضرب أمثال تاريخية على أهمية هذه المسألة بالنسبة لاعتلاء وفقد العرش.

ودمج منغ تسي المبادئ الأخلاقية والسياسية بشكل وثيق وأكد أن الأخلاق الحميدة والتهذيب الذاتي هي أساس لمعالجة الشؤون السياسية بشكل جيد. حيث قال إن أساس العالم هو دول وأساس الدول هو بيوت وأساس البيوت هو الأفراد".

وقسم منغ تسي المعايير الأخلاقية إلى أربعة أجزاء أي البر والعدالة والأدب والحكمة. يرى منغ تسي أنه من بين هذه الأجزاء الأربعة يوجد أهم شيئين هما البر والعدالة. واذا عالج بهما كل فرد في المجتمع علاقاته مع الآخرين، فإن ذلك سيضمن استقرار النظام الإقطاعي ووحدة العالم.

ومن أجل توضيح مصدر هذه المعايير الأخلاقية طرح منغ تسي فكرة حول فطرة الإنسان الأصلية المجبولة عل الطيبة، حيث يرى أنه رغم وجود الفرق بين مختلف أعضاء المجتمع بسبب أعمالهم المختلفة والتباين الطبقي بينهم، ولكن أطباعهم متماثلة.

رغم أن أفكار منغ تسي تركت تأثيرا كبيرا على المجالات السياسية والفكرية والثقافية والتقاليد الأخلاقية لمختلف المجتمعات الصينية، ولكن مدرسته لم تكن محبوبة لدى الحكام.

وكان منغ تسي بصفته عالما قد أقنع الأمراء في محاولة لتطبيق نظريته المتمثلة في سياسة البر. حيث زار دول ليانغ \ وي\ وتشي وسونغ وتنغ ولو لأن هذه الدول كانت تسعى وراء إثراء الدولة والقوة العسكرية وتحاول تحقيق الوحدة بوسائل عنيفة. ولكن نظرية منغ تسي حول سياسة البر كانت تعتبر "أفكارا تقليدية محنطة" فلم تحظ بفرصة لتطبيقها في الواقع.

واختار منغ تسي أخيرا المعيشة المعزولة وبدأ يدرس. حيث ألف مع تلاميذه كتاب "منغ تسي" ويضم سبعة مقالات وسجل أحاديث منغ تسي ومناقشاته مع ممثلي المدارس الأخرى وجسد إرث منغ تسي باعتباره عالما مخضرما للكونفوشية لهذه المدرسة وتطويرها بعد عهد كونفوشيوس. وهذا الكتاب مفعم بالقوة والعظمة ووطافح بالمشاعر والعواطف، كما توجد فيه كلمات متشددة وهجائية حتى توجد فيه شتائم. وبعد مرور آلاف السنين، يمكن للناس أن يشعروا بمشاعر منغ تسي الحادة وميزاته الصلبة وملامحه النشيطة باعتباره مفكرا كبيرا. لذلك، ظل كتاب "منغ تسي" يتمتع بجاذبية ساحرة ونال إعجاب الناس ويعتبر كتابا كلاسيكيا منذ ألاف السنين.

كونفوشيوس والكونفوشية

عند حديثنا عن الثقافة التقليدية الصينية، لا بد أن نذكر شخصا هاما وهو كونفوشيوس. وفي تسعينات القرن الماضي، وضع عالم أمريكي اثناء تربيبه أهم مائة شخصية مشهورة ذات تأثير كبير على التاريخ البشري وضع كونفوشيوس في المركز الخامس بعد المسيح وساكياموني وشخصين آخرين. أما بالنسبة للصينيين، فإن كونفشيوس هو في المرتبة الأولى، لأن كل شخص قد تأثر بالكونفوشية بدرجات مختلفة.

وكونفوشيوس هو مؤسس الكونفوشية الصنيية. ومنذ نحو ألفي سنة، لم تتجسد الأفكار الكونفوشية في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية فحسب، بل في السلوك والأساليب الفكرية لكل مواطن صيني أيض مما أدى إلى أن يعتبر بعض العلماء الأجانب أفكار الكونفوشية أفكارا دينية في الصين. ولكن في الحقيقة إن الكونفوشية هي مجرد جانب من المذاهب القديمة العديدة في الصين وليست ديانة، بل تعتبر أفكارا شرعية في المجتمع الإقطاعي الذي استمر أكثر من ألفي سنة واحتلت مكانة فريدة لمدة طويلة. ولم تترك أفكار كونفوشيوس تأثيرات عميقة وبعيدة على الحضارة الصينية فحسب، بل أثرت على بعض الدول الأسيوية حتى يومنا هذا. وفي ظل انتشار الجاليات الصينية وصينيي الأصل في كل أنحاء العالم، يمكن القول إن تأثيرات أفكار كونفوشيوس لم تعد محصورة على الصين وآسيا.

ولد كونفوشيوس في عام 551 قبل الميلاد وتوفي في عام 479 قبل الميلاد حيث كان أقدم من العالم اليوناني المشهور أريسطو بأكثر من مائة سنة. وتوفي والده وهو في الثالثة من عمره. وبعد ذلك، استوطن مع والدته في مقاطعة شانغدونغ شرق الصين. واسم كونفوشيوس "كونغ شيو" وسماه الناس بكونفوشيوس للتعبير عن احترامهم له.

وتزامنت فترة كونفوشيوس مع عصر الربيع والخريف في تاريخ الصين. وفي تلك الفترة، كسر نظام الوحدة وتشكلت العديد من الممالك الصغيرة بزعامة الأمراء. وعاش كونفشيوس في مملكة تسمى ب "لو"، التي كانت حينذاك أكثر الممالك من حيث التقدم النقافي.

لم يتول كونفوشيوس أي منصب مسؤول كبير طول حياته، ولكنه كان مثقفا عظيما جدا. وكان تلقي التعليم يعتبر حقا خاصا للنبلاء فقط في الزمن القديم في الصين. ولكن كونفشيوس كسر هذه القاعدة الخاصة بطريقته الخاصة أيضا، حيث قبل الطلاب ودرس لهم، وكان يمكن لأي شخص مهما كانت طبقته أن يدرس في درسته ما دام يدفع حتى ولو القليل كنفقات الدراسة. وعلم كونفوشيوس تلاميذه دعواته السياسية ومبادئه الأخلاقية. ويحكى أن تلاميذه وقتها بلغوا ثلاثة آلاف شخصبمن فيهم العديد أصبحوا فيما بعد كبار علماء مثله.

لماذا سيطرت أفكار كونفوشيوس على العقول خلال العصر الاقطاعي في الصين؟ خلاصة القول إن أفكاره الطبقية الصارمة وأفكاره حول الإصلاح السياسي كانت تتطابق مع مصالح الطبقة الحاكمة وتدفع استقرار المجتمع وتطوره. حيث أكد كونفوشيوس على ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقية والنظام العام الصارم وكان من رؤاه أنه اذا خالف تابع إرادة مسؤوله أو خالف إبن والده، فإن ذلك يعتبر ذنبا خطيرا. وحسب نظريته، يجب على الملك إدارة الدولة بشكل جيد ويجب على عامة الشعب الولاء والخلاص لملكهم، ولكل شخص ظروف خاصة يكون إبنا أو والدا أو وزيرا أو مواطنا، فينبغي عليه أن يلتزم بووصفه في مختلف المناسبات، مؤكدا أن ذلك يساعد على تحقيق السلام في الدولة واستقرار معيشة الشعب.

وعندما ظهرت أفكار كونفوشيوس في البداية، لم تتحول إلى مذهب أساسي فورا. وحتى القرن الثاني قبل الميلاد حينما أصبحت الصين دولة موحدة قوية مركزية السلطة، وجد الحكام أن نظرية كونفوشيوس تساعد على استقرار المجتمع الاقطاعي، وحددوها مذهبا شرعيا في الدولة.

وسجل "كتاب الحوار" أفكار كونفوشيوس وكلامه وسلوكه. ومضامينه الرئيسية هي أحاديث كونفوشيوس وحواراته مع تلاميذه. وأعتبر هذا الكتاب كتابا مقدسا في الصين في العصور القديمة ومن الممكن لأي شخص أو مواطن ان يستخدم أفكار هذا الكتاب لوضع معايير لحياته. واذا أراد شخص تولي منصب حكومي، ينبغي عليه دراسة هذا الكتاب بكل دقة.

وفي الحقيقة، ليس كتاب الحوار كتابا تعليميا، بل كتاب وافر المضامين ومفعم بالكلمات الحية. ويتناول رأي كونفوشيوس في مجالات عديدة بما فيها قراءة الكتب والموسيقى والرحلات والصداقات. وذكر مقال في هذا الكتاب أن تسي قونغ أحد تلاميذ كونفوشيوس سأل معلمه: اذا لا بد أن تنبذ أحد من بين الجيش والحبوب والشعب، ما خيارك؟ وأجاب كونفشيوس عليه بلا تردد قائلا: الجيش طبعا.

مذهب كونفوشيوس كان له بمضامين كثيرة بما فيها العديد من الأشياء التي ما زالت لها قيمة عالية حتى الوقت الحاضر. وقد أصبحت العديد من أحاديثه الواردة من كتاب الحوار أمثالا شائعة لدى الصينيين حتى يومنا هذا. مثلا من أقوال كونفوشيوس إنه من بين ثلاثة أشخاص، يوجد شخص يستطيع أن يعلمن. ويقصد بقوله أن لكل شخص مزية، فيجب على الناس أن يتعلموا من بعضهم.

لاو دان - مؤسس الطاوية

اسم عائلة لاو دان لي واسمه الأول أر وسماه الناس ب "لاو تسي" والمصادر التاريخية لم تحدد تماما تاريخ ميلاده أووفاته وهو من مواطني مملكة تشو في أواخر عصر الربيع والخريف \ 770 -476 قبل الميلاد\. وكان لاو دان قد تولى منصب مسؤول عن إدارة الكتب والمحفوظات خلال عهد أسرة تشو الملكية. لذلك كان لدى لاو دان معرفة واسعة وتمتع بشهرة كبيرة حينذاك. وكان كونفوشيوس في شبابه قد زاره خصيصا وطلب منه مراسم الأدب في أسرة تشو. وبعد ذلك، وحينما لاحظ الأفول المستمر في أسرة الملك، قرر مغادرة العاصمة لو يانغ. وعندما مر بممر هانقو، أتم الفصل الأول والأخير من "كتاب الأخلاق"، ثم خرج من هذا الممر على ظهر بقر أخضر وولم يعلم أحد مقصده. قال بعض الناس إن لاو دان عاش 60 عاما، وقال آخرون إنه عاش 200 عام. على كل حال من المؤكد أنه كان معمرا، وذلك يرجع إلى إيمانه بالحفاظ على هدوء البال وتقليل الرغبات وأخلاقه الحميدة والثقافته العالية.

ويسمى كتاب الأخلاق أيضا بكتاب لاى تسي الذي يضم أكثر من خمسة آلاف كلمة ومضامينه وافرة جدا ويعتبر تراثا هاما للثقافة الصينية القديمة. ويعد لاى دان مفكرا ماديا. وهو أول من اتخذ الطاوية أعلى مستوى للطاوية في الصين. ومعنى الطاوية الأصلي هو طريق يسير عليه الإنسان، ووسع القدماء هذا المعنى إلى المبادئ القانونية. وراقب لاو دان التغيرات الطبيعية والعلاقات الإنسانية وأضفى معنى جديدا إلى الطاوية حيث يرى أن الطاوية هي أكثر الأشياء واقعية والمصدر الأخير لإحداث كل الأمور.

وأوضح لاو دان في كتاب الأخلاق قوانين تحول الأمور. حيث يرى أن البركة والنكبة يمكنهما التحول المتبادل. وتواجد في النكبة عوامل البركة، والعكس صحيح. كما لاحظ لاو دان بشكل مبدئي أيضا أن تكثف حجم الأشياء يستطيع إثارة تغير طبيعتها. حيث قال إنه يمكن لبذرة صغيرة أن تصبح شجرة كبيرة بعد النمو المستمر ويمكن لقطع من الطين أن تثير مبنى عاليا. كما شجع الناس على مواجهة الصعوبات دون خوف وما دام يبذل جهودا ذرة بعد ذرة، فسيتغلبون على الصعوبات وينجزون قضايا عظيمة.

وعارض لاو دان الحرب حيث قال إن أي مكان رابط فيه الجيش يصبح مليئا بالأشواك. كما عارض لاو دان إفراط الطبقة الحاكمة في التجنيد وجباية الضرائب.

وكان لاو دان قد وصف المجتمع المثالي في قلبه بأن دولة صغيرة بأعداد من المواطنين قليلة توجد بها ورغم وجود أسلحة ولكن بدون استخدام ورغم وجود عربات وسفن ولكن بدون ركوبها وتناول أبناء الشعب الأطعمة الجيدة ويلبسون الملابس الجميلة ويسكنون في بيون مريحة ويمكن رؤية الدولة المجاورة ولكن مواطنيهما لا يزورون بعضهم بالبعض. والحياة بسيطة وليس من الضروري استخدام الكتابة ويمكن للناس العودة إلى عصر تسجيل الأمور بالحبال. وعلى الرغم من أن هذه المثل سلبية إلا أنها جسدت كراهية لاو دان للحروب المتتالية في عصر الربيع والخريف وتطلع المزارعين لمجتمع هادئ ومستقر.

وقد احتلت فلسفة لاو دان وضعا هاما في تاريخ الفلسفة الصيني. وأثرت أفكاره السياسية فيما بعد على المفكرين والمصلحين.


1 2 3 4